باب "اللام" المفردة
قال أحمد بن عبد النور المالقي (ت: 702هـ): (باب "اللام" المفردة
اعلم أن "اللام" المفردة جاءت في كلام العرب لمعانٍ تتشعبُ وتكثر، فعددها بعضهم ثلاثين "لامًا"، وعددها بعضهم ثمانيةً، وعددها بعضهم أربعًا، وألف بعض البغداديين فيها كتابًا سماه «كتاب "اللامات"»، عدد لها فيه نحو الأربعين معنى بحسب اختلافها أدنى اختلاف.
وقد أمعنت النظر فيها فوجدتها على تشعب معانيها
تُحصر في قسمين: قسم زائدة، وقسمٍ غير زائدة، فالقسمُ غيرُ الزائدة قسمان:
عاملةٌ وغير عاملةٍ والعاملةُ ثلاثةُ أقسامٍ: قسمٌ عاملٌ خفًا وقسمٌ
عاملٌ نصبًا، وقسمٌ عاملٌ جزمًا.
والقسم الزائدة قسمان: قسمٌ عاملةٌ وقسمٌ غيرُ
عاملةٍ، فتجيءُ جملة أقسامها ستة: غير زائدةٍ عاملةٌ خفضًا، وغيرُ زائدةٍ
عاملةٌ نصبًا، وغيرُ زائدةٍ عاملةٌ جزمًا، وغير زائدةٍ غيرُ عاملةٍ،
وزائدةٌ عاملةٌ، وزائدةٌ غيرُ عاملةٍ.
القسم الأول: غيرُ الزائدة العاملة خفضًا لها ثمانية مواضع:
الموضع الأول:
أن تكون للتخصيص، وأنواع هذه المواضع تتشعب، والذي يجمعها النسبة، فحيث
كانت جاز أن تنسب لما بعدها بها، فمنها الملك، نحو: الثوب لزيدٍ، والدارُ
لعمروٍ، والفرسُ لعبد الله، ومنها الاستحقاق، نحو: الباب للدار، والسرج
للدابة، والمحراب للمسجد، ومنها النسب، نحو: الأب لعبد الله والابن لخالد، ومنها التبعيضُ، نحو: الرأس للحمار والكُمُّ للجبة، ومنها الفعل نحو: الضربُ لزيدٍ، والتسبيح لعمروٍ.
وأنواع النسبة لا تكاد تُحصر لكثرتها، ومنها قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ}، وقولهم .... وتُربا له وجندلًا له وواهًا له.
وتدخل في أنواع هذه المواضع على الظاهر والمضمر فتقول الغلامُ لزيدٍ والغلام لك، وكذلك باقي الأنواع.
الموضع الثاني: أن تكون في النداء للاستغاثة نحو: يا لزيدٍ لعمروٍ، ويا لخالدٍ لعبد الله، ومنه قوله:
ولا يجوز دخولُ هذه "اللام" على المضمر، وإن كان أصلُ المنادى الذي تدخل عليه مضمرًا لأنه المخاطب أو من في حكمه، لأن المستغاث به القصدُ به شهرته، فلابد من ذكر اسمه أو شهرته، و"اللام" دلالةٌ على ما أريد من الاستغاثة.
الموضع الثالث: [أن تكون] للتعجب وهو يكون في باب النداء، نحو قولهم: «يا للعجب»، وقول الشاعر:
وتكون للتعجب أيضًا في القسم كقولهم: لله لا يقوم، ولله ليقومن زيدٌ، قال الشاعر:
الموضع الرابع: أن تكون بمعنى "على"، وذلك موقوفٌ على السماع، لأن الحروف لا يوضع بعضها موضع بعضٍ قياسًا، إلا إذا كان معنياهما واحدًا، ومعنى الكلام الذي يدخلان فيه واحدًا أو راجعًا إليه، ولو على بُعدٍ.
ففما جاء من ذلك في "اللام" قوله تعالى: {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا}، وقال الشاعر:
الموضع السادس: أن تكون بمعنى "مع" وهو مسموع لا يُقاس عليه لبعد معنيهما ولفظيهما، ومما سمع من ذلك قول الشاعر:
الموضع السابع: أن تكون بمعنى "من أجل" نحو: جئتك للإحسان ورعيتك لرعيي، قال الشاعر:
ويُقال لهذه "اللام" "لام" العلة و"لام" السبب، وهي في كلام العرب كثيرةٌ، وهي الداخلة على "كي" التي بمعنى "أن" والتي "كي" بمعناها وهي بمعنى "كي" التي تقدر "أن" بعدها كما تقدم في بابها.
الموضع الثامن: أن تكون بمعنى "بعد" وهو أيضًا موقوفٌ على
السماع لقلته ومما جاء من ذلك قولهم: «كتبت لخمس خلون من الشهر، ولست مضين منه» أي "بعد" خمس و"بعد" ست، وقول الشاعر:
-----------------
القسمُ الثاني: غير الزائدة العاملة نصبًا، لها ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: أن يكون بعدها الفعل المضارع منصوبًا بإضمار "أن" على معنى "كي" المذكورة، نحو: جئتك لكرمني، وأحسن إليك لتشكرني، قال الله تعالى: {لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا} و{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}، ولا يجوز الوقف في القرآن على ما قبل هذه "اللام" لأنها عاملةٌ لما قبلها، إلا إن وقع رأس آية.
وهذه "اللام" لا يكون ما قبلها إلا كلامًا قائمًا بنفسه، وبهذا تخالف "لام"
الجحود المذكورة بعد، وتكون قبلها الجمل الاسمية [و] الفعلية الماضية
والمضارعة، نحو قولك: زيدٌ قائمٌ ليحسن إليك، وزيدٌ قام ليحسن إليك،
وزيدٌ يقوم ليحسن إليك.
وهي ناصبةٌ ما بعدها بإضمار "أن" لأنها حرفٌ جار، فلا يعمل عملين لاختصاصه بالأسماء، فما بعده مع "أن" بمنزلة اسم مخفوض بها كأنك إذا قلت: جئت لتكرمني [تقول] جئت لأن تكرمني، أي جئتُ للإكرام وقد بُين هذا في باب "كي" فقف عليه هناك، ويجوز دخول هذه "اللام" على "كي" إذا كانت بمعنى "أن" وحذفها للدلالة عليها كما بين هناك.
الموضع الثاني:
أن تكون بمعنى الجحود، وهو النفي، وذلك قولك: ما كان الرجل ليذهب، وما
كان عبد الله ليخرج، المعنى: ما كان عبد الله للخروج، وما كان الرجل
للذهاب، قال الله عز وجل: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ}، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ}، المعنى للترك، وما كان الله للتعذيب، فهذه "اللام" كالتي قبلها في دخولها على الفعل المضارع ونصبه بإضمار "أن" وتقديرها معه بتأويل المصدر المخفوض بها، إذ هي حرفٌ جار أيضًا، لأنها مختصة بالأسماء، وهي "لامُ" العلة المذكورة قبل، إلا أنها إذا دخلت على الأفعال المذكورة وقعت مع ما بعدها في موضع أخبار "كان" المنفية بـ "ما"، وبذلك تخالف "لام" "كي" المذكورة قبل، للزومها ذلك، و"لام" "كي" يتم الكلام دونها، ويجوز أن يتقدمها الإيجاب والنفي مع "كان" وغيرها، فاعلمه.
الموضع الثالث: أن تكون بمعنى العاقبة، كقولك: أكرمته ليشتمني وأعطيته ليحرمني، قال الله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} و{رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ}، المعنى: فالتقطه
آل فرعون فكان عاقبةُ أمرهم أن كان لهم عدوًا
وحزنًا، وأنك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالًا في الحياة الدنيا، فكان
عاقبتهم أن ضلوا عن سبيلك، وهي مثل "لام" "كي" و"لام" الجحود المذكورتين، في أنها داخلةٌ على الأفعال المضارعة، وتنصب بعدها بإضمار "أن"، و"أن" وما بعدها في موضع مصدرٍ مخفوض إذ هي حرفُ جار مثلهما للعلة في الظاهرة، وتفارقها في المعنى خاصة.
وأما قول الشاعر:
وهل تدخل على المتكلم وحده أو مع غيره؟ فيه خلافٌ، والصحيح جوازه لوروده من كلام العرب، فتقول: ليقم زيدٌ، وليخرج عمروٌ، قال الله عز وجل: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، وتقول: لأقم ولتقم، وأما فعلُ المخاطب فالغالب عليه المطردُ أن يجيء بغير "لام"، نحو: اضرب واخرج وقم واقعد، وقد جاء في الحديث قوله عليه السلام: «لتأخذوا مصافكم» وقرئ قوله تعالى: «فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا» على المخاطبة وكلاهما نادرٌ.
واختلف في هذا الفعل المبني للفاعل المخاطب إذا كان بغير "اللام": فذهب البصريون إلى أنه صيغةٌ قائمةٌ بنفسها، لا مدخل "للام" فيها، وأن الذي "باللام" صيغةُ الفعل المضارع دخلت عليه "اللام" للأمر فجزمته، والأول مبني على الوقف والآخر معربٌ بالجزم.
وذهب الكوفيون إلى أن كليهما واحدٌ، فعلٌ مضارعٌ في الأصل معربٌ بالجزم "باللام" ظاهرةً أو محذوفةً، قياسًا على سائر أفعال الأمر.
وذهب المتأخرون إلى أن الصحيح أن ما فيه "اللام" مضارعٌ معربٌ بالجزم لوجود المضارعة فيه وهو "التاء" و"الياء" و"النون" و"الألف" التي أُعرب بسببها، وما ليس فيه "اللام" صيغته صيغةٌ أخرى، وهو مبنيٌ لا مدخل "للام" فيه لا شبه بينه وبين الاسم كما كان في المضارع من الإبهام والتخصيص الموجودين فيهما، إذ تلك الصيغة لا حرف مضارعةٍ فيها توجيب لها الإعراب ولا شبه بينها وبين الاسم من جهتي الإبهام والتخصيص المذكورين، بل هي صيغةٌ مخلصةٌ للاستقبال بنفسها فهي أصلٌ قائمٌ بنفسه.
فإن زعموا أن "لام" الجزم محذوفةٌ مع حرف المضارعة فيجاوبوا: بأنه لا يُحذف حرفان، أحدهما يوجب علة تكون أصلًا في شيء، ويبقى حكمها كحرف المضارعة، و"اللام" حرفٌ واحدٌ شديدُ الاتصال بما بعده، صار معه كبعض حروفه، فلا يجوز حذفه إلا في الضرورة وحده كقوله:
والصحيح مذهب الكوفيين، وقد أتيت بالدلائل عليه في غير هذا الكتاب.
واعلم أن هذه "اللام" لشدة اتصالها بما بعدها حتى صارت كبعض حروفه جاز فيها التسكينُ لخفتها إذا اتصل بها "واوُ" العطف أو "فاؤه"، كقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} على قراءة من قرأ بالتسكين،
وكذلك قوله تعالى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} فأجري ذلك مجرى فخد وكبد حين قالوا: فخذ وكبد، بإسكان "الخاء" و"الباء"، تخفيفًا لاجتماع المتحركات، ويستقبح ذلك فيها مع حرفٍ منفصلٍ، نحو {ثُمَّ لْيَقْطَعْ}، {ثُمَّ لْيَقْضُوا}.
وكذلك الحكم في "الواو" و"الفاء" مع "هو" و"هي" و"ثم" في نحو قوله تعالى: {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} على قراءة قالون والكسائي من السبعة بالإسكان في الفتح، بمنزلة: {ثُمَّ لْيَقْطَعْ}، وإنما ذلك لشدة اتصال "الواو" و"الفاء" بما بعدهما لأنهما كحرفٍ منه وانفصال "ثم" إذ هي كلمةٌ قائمةٌ بنفسها من ثلاثة أحرفٍ فاعلمه.
الموضع الثاني: أن تكون للدعاء، نحو قولك: «لتغفر لزيدٍ ولترحمه» والأكثر: اغفر لزيدٍ وارحمه، لأنها في الفعل بمنزلة "لام" الأمر، والحكم فيها في اللفظ كالحكم فيها، قال الله تعالى: {فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}، وقال الشاعر:
وجملة الأمر أن "اللام" الداخلة على صيغة الأمر تكونُ بحسب ما وضعت الصيغة له من طلبٍ أو إباحةٍ أو تعجيزٍ أو تكوينٍ أو غير ذلك مما أحكمه الأصوليون في كتبهم، فلا معنى لتفريق مواضع ذلك إلا الجري على تنويعهم في الاصطلاح، وإلا فالطلب يكون من الأعلى إلى الأدنى ومن المثل إلى المثل ومن الأدنى إلى الأعلى، ويكون ذلك بصيغة الأمر وبالمضارع "باللام" مجزومًا، هذا هو الحق، إلا أن النحويين على صيغة «افعل» أمرًا، وبعضهم من المتأخرين تحذق فزاد الدعاء، وحقيقته ما ذكرتُ لك فاعلمه.
الموضع الثالث: أن تكون للوعيد نحو قولك: لتقتل زيدًا وأنت تعلم ما تلقى ولتضربه فسوف تعلمُ، قال الله تعالى: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
وأكثرُ ما تأتي الصيغة [على] صيغة «افعل»، وقد تكون صيغة المضارع "باللام"، فالحكم فيها كالحكم في "لام" الأمر والدعاء، وإنما الفرق بينهما في المعنى، لأن في معنى هذه التهديد وهي راجعةٌ إلى ما ذكرنا من الوعيد ولا طلب فيها إلا في ضرورة أمر، فلذلك يُطلق النحويون عليها أمرًا، ونظيره [في] ذلك قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}، فلولا قرينةُ الحال في الكلام لكانت الصيغة واحدةً مفهومًا منها الأمر [من} أول وهلة.
وفي صيغة «افعل» بين الأصوليين اختلافٌ: هل اللفظ مشتركٌ أو هو في الطلب أظهر، أو في الموجب منه؟ حقيقته في علم أصول الفقه.
القسم الرابع: غيرُ الزائدة غير العاملة:
أن تكون للتأكيد أي لتمكن المعنى في النفس، ولها في ذلك ثلاثة مواضع.
الموضع الأول: أن تدخل للابتداء في المبتدأ وما حل موضعه من الفعل المضارع له، فالمبتدأ نحو قولك لزيدٌ قائمٌ، ولعبد الله خارجٌ وليقوم زيدٌ.
وإنما قدمت أولًا اعتمادًا عليها في التوكيد لما بعدها، كما تقدم "همزةُ" الاستفهام و"إن" المكسورة المشددة، و"ما" النافية للاعتماد عليها في معانيها التي وضعت لها، ولذلك كانت حروفًا معلقة لما قبلها عن العمل فيما بعدها، أي قاطعة له، وذلك في باب «ظننت وأعلمت» وقاطعةً عن عمل ما بعدها فيما قبلها في باب الاشتغال، فتقول: ظننتُ لزيد قائمٌ، وأعلم زيدٌ لعبدُ الله منطلق، وزيدٌ لتضربه، وإنما ذلك كما ذكرتُ لك من أنه حرفُ صدر، قال الله تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ}، وقال زهير.
وربما دخلت "اللام" على ما يدخل على المضارع من "أن" الناصبة له نحو قولك: لأن تقوم خيرٌ لك من أن تقعد لأن المعنى: لقيامك فهي في موضع مبتدأ، فلذلك عوملت في ذلك معاملته، وكذلك حكم ما يدخل على المضارع إذا خلصه للاستقبال، نحو: «لسوف يقوم زيدٌ»، قال الله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}.
وأما قوله تعالى: {لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} «فهي جوابٌ قسمٍ محذوف يتلقى بها»، {وَلَسَوْفَ} موضعٌ سيذكر بعد.
الموضع الثاني: أن تكون في خبر المبتدأ وذلك قسمان: قسم قياسي وقسم موقوف على السماع.
فأما القياسي ففي خبره إذا وقع خبرًا لـ "إن" المكسورة التي للتوكيد المذكورة في بابها، نحو قولك: «إن زيدًا لقائم وإن عبد الله لخارج»، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، {نَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وهذه "اللام" هي جائزة الدخول في هذا المكان لا واجبة، لما يُراد من المبالغة في التوكيد إذ هو حاصل، فإن محلها في الأصل المبتدأ الذي [هو] اسم "إن" إلا أنه اتفق مانع منع من ذلك وهو أنه لما دخلت "إن" على المبتدأ وليته وطلبته، وكانت مشبهة بالفعل كما ذكر في بابها وجب أن تعمل فيه وصارت معه كالمبتدأ إذ لم تغير من معنى الابتداء شيئًا، إنما هي للتوكيد خاصة، وهي زائدٌ على الابتداء فوجب "للام" الداخلة على الجملة التي فيها "إن" أن تكون مقدمة عليها.
ومما يوضح ذلك أنها تجتمع معها مقدمة فتبدل "همزة" "إن" "هاء" كما قال الشاعر:
فإذا ثبت أن "اللام" أصلها في الدخول أن تكون قبل "إن" ثقل اجتماع حرفين مؤكدين، فأزالوا "اللام" من ذلك المحل ووضعوها في موضعٍ لا يكون فيه ثقلٌ وهو الخبر في الأصل لتأخيره عن الاسم، فقالوا: «إن زيدًا لقائم»، و«إن عبد الله لشاخص».
ثم تدخل في الاسم إن فُصل بينه وبين "إن" بالظرف أو المجرور، نحو قوله تعالى: {نَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} و{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً}، {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى}، لأنه قد زال موجب الثقل بالاجتماع مع "إن".
ثم إنه قد يجوز دخولها فيما يحل محل الخبر من ظرفٍ نحو: «إن زيدًا لعندك» أو مجرورٍ نحو: «إن زيدًا لمن بني تميم» أو الفصل الذي بين اسمها وخبرها، نحو: «إن زيدًا لهو القائم»، وفي المبتدأ من الجملة الواقعة خبرًا لها، نحو: «إن زيدًا لأبوه قائمٌ»، وفي الفعل المضارع الواقع في موضع الخبر، نحو «إن زيدًا ليقوم» وفي الماضي إذا كان غير متصرفٍ نحو: «إن زيدًا لبئس الرجل، وإن عمرًا لنعم الفتى»، وفي معمول الخبر مع وجوده وتأخيره عنه، نحو: «إن زيدًا لعندك قائم»، وفي مجموعهما نحو قولك: «إن زيدًا لفي الدار لقائمٌ»، قال الله تعالى: {نَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، وقال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}، وقال تعالى: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، وقال الشاعر:
وأما ما ذكر الزجاجي أن "اللام" دخلت في الكلام الذي فيه "إن" توكيدًا للخبر، كما دخلت "إن" توكيدًا للجملة فغير صحيح لدخول "اللام" في اسم "إن" مع الفصل كما ذكر، وفي غير الخبر في المواضع التي ذكرنا مع "إن" إذا أُبدلت من "همزتها" "هاء" كما ذُكر، وإنما هو كلام زوره ونمقه، وكذلك ما حكى عن بعضهم من أن ذلك مناظرة لـ "ما" النافية مع خبرها في الكلام الذي ذكره فوهم مردودٌ بما ذكرنا.
واعلم أن هذه "اللام" قد تلزم، وذلك في خبر "كان" الواقعة خبرًا لـ "إن" المخففة من الثقيلة المكسورة كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} و{إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} لأن الفرق بين النافية وبينها لا يقع إلا بها وكذلك في خبر كان ومفعولي ظننت وأعلمت الأخيرين والفصل، إذا دخلت على ذلك كله "إن" المذكورة، نحو: "إن" ظننت زيدًا لقائمًا، و"إن" أعلمت عمرًا عبد الله لمنطلقا، و"إن" كان زيدٌ ليقوم، و"إن" زيدًا لهو القائم للعلة المذكورة.
ويجري مجرى "إن" في القياس "لكن"، لأنها داخلة على الخبر، ولا تغير معنى الابتداء كـ "إن" إلا أن ذلك فيها قليل لارتباطها بما قبلها، قال الشاعر:
وأما القسم السماعي ففي خبر المبتدأ إذا لم يكن خبرًا لـ "إن" باقيًا على الخبرية له، أو خارجًا إلى غيره، والباقي خبرًا نحو قول الشاعر:
الموضع الثالث: جواب القسم سواء كان جملةً اسمية أو فعلية ماضية أو مستقبلة، لكن لابد أن تكون موجبة، نحو قولك: والله لزيد قائم ووالله ليقومن زيدٌ، وواله لقد قام زيدٌ، ووالله لنعم الرجل زيدٌ ولبئس الرجل عمروٌ، قال الله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}، وقال: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}، ويجوز حذف جملة القسم، وتبقى جملة الجواب "باللام" لتدل على ذلك، ومنه قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}، وقال الشاعر:
وإنما دخلت "اللام" في جواب القسم ليتلقى بها مبالغة في التوكيد، إذ القسم توكيد المقسم عليه، وكذلك إذا كان المضارع "باللام" و"النون" لزم أن يكون جوابًا للقسم كما تقدم، لأن "النون" مخلصة لذلك، وهي لازمة لجواب القسم عند بعضهم، وبعضهم لا يعتقد ذلك لقول الشاعر:
واعلم أن "لو" و"لولا" إذا وقعا في جواب القسم لزم جوابهما "اللام" نحو قولك: «والله "لو" قام زيدٌ لأحسنت إليك» و«والله "لولا" زيدٌ لأحسنت إليك»، قال الشاعر:
وزعم جل النحويين أن "لو" و"لولا" حيث وجدا تلزم "اللام" جوابهما على كل حال، كان قسم أو لم يكن، واستشهد بعضهم بالبيت والآيتين المتقدمتين، وقالوا: إن "اللام" لا تحذف من جوابهما إلا ضرورةً، كقول الشاعر:
الموضع الرابع: أن تكون توطئة لجواب القسم وتوكيدًا نيابةً عنه في ذلك، وذلك إذا تقدم حرف الشرط الذي هو "إن" الخفيفة المكسورة نحو قولك: لئن قمت لأكرمنك ولئن خرجت لأخرجن معك، قال الله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْوَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ}، وقال الشاعر:
وقد تُضمن «علمتُ» معنى القسم، فتدخل "اللام" فيما بعدها دلالة على ذلك، كقولهم: «علمت لمن قام لأضربنه» ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}.
وأما قوله تعالى: {يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}، فـ «يَدْعُو» مُعلقة عن العمل لأنها بمعنى «يقول» كما هي في قوله:
القسم الخامس: الزائدة العاملة: أن تكون مقحمة توكيدًا ولها في ذلك موضعان:
الموضع الأول: أن تكون مقحمة بين المضاف والمضاف إليه نحو: يا ويح لزيدٍ، ويا بؤس للحرب، والأصل: يا ويح زيدٍ ويا بؤس الحرب، فهو كيا عبد الله، إلا أنهم أبقوا الإضافة وزادوا "اللام" توكيدًا للتخصيص، قال الشاعر:
وقيل: إن الحكم في العمل للإضافة، وهو الصحيح لوجهين: أحدهما أن تنوين الأول إنما حُذف للإضافة وهو السابق في اللفظ قبل "اللام" فينبغي أن يكون المُراعى، والثاني مخفوضٌ لإضافة الأول إليه، ودخلت "اللام" بينهما مقحمةً على طريق التوكيد، ويُقوي ذلك ظهور "الألف" في «أبا» و«أخا» والفتحة في «يا بؤس» ولا يكوُ ذلك إلا مع الإعراب، وموجبه الإضافة، وهذا هو الوجه الثاني فاعلمه.
الموضع الثاني:أن تكون مقحمةً بين الفعل والمفعول نحو قوله تعالى: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ [الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ]}.
وأما قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}، وقول الشاعر:
وأما قوله تعالى: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ}، "فاللام" حرف جرٍ غير زائدةٍ، ومن يقول: أنصحكم حذف حرف الجر كما حذف في قوله:
وأما قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} فإنما أدخل حرف الجر في «الرؤيا» و«تَعْبُرُونَ» لا يتعدى به لكونه قد قدم عليه فضعف عن العمل فيه فصارت كمررتُ، فلذلك دخل حرف الجر في مفعوله. وأما قول الشاعر:
واعلم أن "اللام" في هذين الموضعين وإن كانت زائدة فإنما خفضت ما بعدها بالشبه لغير الزائدة لأن اتصالها كاتصالها، ولفظها كلفظها، فهي في تلك بمنزلة "الباء" الزائدة، وقد ذُكرت في بابها، وهذان الموضعان موقوفان على السماع، لا يجوز قياسُ غيرهما عليهما لشذوذهما وخروجهما عن نظائرهما.
القسم السادس: الزائدة غير العاملة، وهي التي لا حاجة إليها، ولا قياس لأمثلة ما تدخل عليه، ولها ستةُ مواضع:
الموضع الأول: أن تدخل على "بعد" في قول الشاعر:
الموضع الثاني: بعد "لام" الجر توكيدًا، كقوله:
الموضع الثالث: أن تدخل على "لولا" في قول الشاعر:
الموضع الرابع: أن تدخل على "علَّ" نحو قوله تعالى {لَعَلِّي آتِيكُمْ} و{لَعَلِّي أَطَّلِعُ} و{لَعَلِّي أَبْلُغُ}، وجميعُ ما جاء في القرآن منها كذلك، وفي قول الشاعر:
أحدهما: أن التخفيف بالحذف إنما بابه الأسماء والأفعال لا الحروف لجمودها وقلة تصرفها، وإنما يُخفف منها المضعف بالحذف كـ : "أن" و"إن" و"لكن" و"كأن".
والثاني: أنه قد سمع في معناها "غنَّ" بالغين ولم يُدخلوا عليها "اللام"، وقالوا في معناها:"لعن" و"لأن" "باللام"، وغير التي "باللام" أكثر، ولما كانت أول الكلام رُوعي فيها الابتدائية فلذلك دخلت "اللام".
الموضع الخامس: بين أسماء الإشارة و"كاف" الخطاب لمذكرٍ أو مؤنثٍ، لمفردٍ أو تثنيةٍ أو جمع، نحو: ذلك وتلك وذلكما وتلكما وذلكم وتلكم وأولاكم وأولاكما وأولئك وأولالك، قال الله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي}، وقال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا}، وإنما دخلت لتوكيد الخطاب ومراعاة بُعد المشار إليه في المسافة.
الموضع السادس: في بناء الكلمة من غير سببٍ كقولهم في عبد: عبدل، وقال بعضهم: مقتطعة من: «الله» أراد عبد الله، كما قالوا: عبشمي وعبدري في النسب إلى عبد شمس وعبد الدار ولا دليل على هذا، وإنما هو كـ: سبط وسبطر فاعلمه.
فهذه جملة أقسام "اللام" وجملة مواضعها إن شاء الله، فإن جاء شيء يوهم خلافها فإليها يرجعُ فتفهمها والله المستعان.
وأما "لام" التعريف فكان حقها أن تذكر في باب "اللام" إلا أنها قدم لها باب في باب "الهمزة" للسبب المذكور فيه فقف عليه.
وبقي: في باب "اللام" مسألتان لابد من الوقوف عليهما للانتفاع بهما في هذا الباب وفي غ يره مما يشاكلها.
المسألة الأولى: إن أصل "اللام" الفتح أو غيره، وإذا كان أصلها الفتح فلأي شيءٍ تخرج عنه في بعض المواضع؟ والجواب عنها أن أصل "اللام" حيث كانت السكون وكذلك سائر الحروف المفردة، ولا يُسأل عن هذا لأن السكون عدمُ الحركة فهو أصلٌ إذ هو لا شيء من الحركات، وإنما يُسأل عن وجود الحركة لم هو؟ فليسأل هنا عن الحركة في "اللام" لأي شيء وُضعت؟ ولم اختصت "اللام" وما كان نحوها من الحروف "كواو" العطف و"فائه" و"كاف" الجر و"تاء" القسم بالفتح؟ ولما كُسر من ذلك بم كُسر؟
فأما عِلَّة الحركة فيها وأمثالها مما ذكرنا فللابتداء بها، إذ لا يُبتدأ بساكنٍ، ولا يُمكن النطق به، فاجتلبت الحركة لذلك، وهذا أحد المواضع التي احتيج إلى الحركة في الحروف بسببها، وحركة "اللام" وسائر الحروف التي هي مثلها بالفتح تخفيفًا إذ الفتحةُ لا تُستثقل مع الضمة في «ظرف» ولا مع الكسرة في «علم» وإذ هي من وسط الفم بين الضمة والكسرة.
ولا يخرج من هذه الحروف إلى الضم حرفٌ، وإنما يخرج إلى الكسرة لعلة نذكرها، والذي يخرج منها إلى الكسر لازمًا "الباء" الجارة تشبيهًا لها بعملها، إذ لا تعمل أبدًا إلا الخفض، ولا تخرج عنه أصلًا، وسواءٌ في ذلك دخولها على الظاهر كـ «بزيد» أو المضمر كـ «به وبك» وحكى اللحياني الفتح فيها شاذًّا، قالوا: «به»، ولا يُقاس عليه.
و"اللام" المذكورة في هذا الباب قد تخرجُ إلى الكسر والسكون الذي هو الأصل، فتُكسر مع نوعين: مع الاسم والفعل.
أما كسرها مع الاسم ففي المجرور إذا كان ظاهرًا أو في حكم الظاهر، نحو: «هذا المالُ لزيدٍ»، والذي في حكمه نحو قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}؛ لأن المعنى: لزوال الجبال منه، وكذلك المبهمات نحو: المال لهذا، أو الموصلات نحو: لمن ولما لأنها في حكم الظاهر، وإنما كُسرت في هذه تشبيهًا بعملها "كالباء".
وفُتحت في غير ذلك من المضمرات على الأصل، وفُرّق بينها وبين "لام" التوكيد في الظواهر وما في معناها المذكورة، إذ يقع الالتباس مع الفتح إذا قيل مثلًا: هذا لموسى وهذا لهذا وهذا لمن يكرمك، فلا يُعلم المعنى لو فُتحت، فإن قيل: ظهور الجر فيما بعدها يفرق بين المعنيين فيقال: الظواهر من الأسماء صِنفٌ واحدٌ، وأصنافها من المنقوص والمقصور والمضاف إلى المتكلم والمبني كثيرة فأجري القليل على الكثير لتبعيته له وغلبة الكثير عليه.
فإن قيل: فقد نجد هذه العلة تنكسر في المستغاث به والمتعجب منه في نحو: يا لزيدٍ لعمروٍ، ويا للرجال للعجب، ففتح "اللام" معها في الظاهر، فالجواب أن المستغاث به والمتعجب منه ظاهران في موضع مضمرين إذ المنادى في موضع مضمرٍ مخاطب، ولو دخلت على المضمر لم تكن إلا مفتوحة، فعومل الظاهر الواقع موقعة معاملته.
واعلم أن من العرب من يخالف هذا الأصل فيفتح "اللام" مع الظاهر فيقول: المال لزيدٍ، وقرأ بعضهم: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} بفتح "اللام"، كما أن منهم من يكسر "اللام" مع المضمر فيقول: المال لِه، وذلك كله شاذ فلا قياس عليه.
وأما كسرها في الفعل ففي فعل الأمر والدعاء والوعيد المتقدم ذكرها كما ذكر، وكان الأصلُ أن تكون فيه مفتوحة للعلة المذكورة فيها مع الاسم، إلا أنها كُسرت مع هذا الفعل لأنه مجزوم، والجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء، وحملُ النظير على النظير والنقيض على النقيض معلومٌ في مواضع من كلامهم، وقد تقدم منه شيءٌ في بعض ما تقدم من الحروف، وكذلك تُكسر في الأفعال مع المضارع المنصوب لأنه مع ناصبه في حكم الاسم الظاهر نحو: جئت لتقوم، فحكمه في ذلك حكمُ الظاهر.
وأما خروجها إلى السكون ففي الاسم والفعل أيضًا:
أما الاسم "فلام" التعريف، وقد تقدَّم حكمها في باب "أل".
وأما الفعل ففي الأمر على اختلاف معانيه من دعاءٍ ووعيدٍ – على ما ذُكر- إذا دخلت عليها "الواو" و"الفاء"، كما ذُكر في فصلوها، وقد تقدمت علة ذلك هناك.
المسألة الثانية: هل يجوز أن تحذف "اللام" وهي عاملةٌ غير زائدةٍ ويبقى عملها أو لا؟ والجواب عن ذلك أن أصل "اللام" وغيرها من حروف النصب وحروف الخفض وحروف الجزم ألا تحذف وتبقى معمولاتها، وألا تحذف معمولاتها وتبقى هي، وإنما ذلك لأن الحرف المختص بالشيء العامل فيه كجزءٍ منه لشدة اتصاله به وطلبه [له]، وقد قلنا في غير موضع من هذا الكتاب: إن المجرور وجاره جميعًا في موضع معمول منصوب للفعل وإن كان غير متعدٍ إلى منصوبٍ في اللفظ نحو: مررتُ بزيدٍ ودخلتُ إلى عمروٍ، ومن أقوى الدلائل على ذلك إقامتها معًا مقام ما لم يُسم فاعله في نحو: مُر بزيدً ودُخل إلى عمرو، وكذلك حُكم الجازم مع مجزومه في الاتصال، والناصب مع منصوبه كذلك.
فإن وجد شيءٌ منها يُحذف فبالدلالة القائمة عليه، نحو "أن" الناصبة في باب "الفاء" و"الواو" في الجواب، وفي باب "حتى" وبعد "كي" و"لامها" و"لام" الجحود، وقد قلتم الكلام في بعضها، وسيذكر بعدُ فيما بقي الكلام فيه.
ويتأكد الاتصال من الحروف فيما هو على حرفٍ واحدٍ، فالحذف فيه أبعدُ، "كالباء" و"الكاف" و"اللام"، فإن وُجد ما هو على حرفٍ واحدٍ محذوفًا فلقوة دلالة الكلام على حذفه كـ "لام""كي"، إذ "كي" كالعوض منها لإفادتها إفادتها.
وإذا ضعفت الدلالة في الكلام ضعف الحذف وقل، فمما حذف من ذلك وأبقي عمله "الباء" في «خيرٍ عافاك الله» في جواب من قال: «كيف أصبحت»، وفي القسم في قولهم: «الله لأفعلن»، بخفض «الله» المقسم به، و"اللام" في قول الشاعر:
وقد اطرد حذفه مع "إن" و"أن" واختلف: هل هما وما بعدها في موضع نصبٍ أو خفض إذ لم يظهر فيهما إعرابٌ؟ والقياس على ما ظهر فيه الإعراب أن تكون كل واحدٍ منهما في موضع نصب.
وأما حذفُ المجرور وإبقاءُ حرف الجر فأقل من الأول، بل هو أولى أن لا يجوز الاعتماد على حرفٍ دون اسمٍ، فإن جاء منه شيءٌ في الضرورة نحو قوله:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق